راي

صوت وصورة

أنت الآن في : الرئيسية - رأي , abc - ورطة السلطة في مأزق 25 نوفمبر .


إذا كانت السلطة ترمي من وراء انتخابات 25 نونبر القادم إلى إنهاء حالة التوتر التي تسود منذ 20 فبراير، واستعادة حالة الإستقرار التي تمثل استثناء المملكة السعيدة، فإن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى صعوبة اجتياز هذا الإمتحان العسير بدون عواقب، خاصة بعد أن ثبت ضعف الإرادة السياسية للإصلاح الفعلي، من خلال الطريقة التي تم بها تمرير وثيقة دستورية متناقضة حدّ الهذيان، والإعداد للإنتخابات داخل كواليس وزارة الداخلية.

إذا ثبت لدينا بشكل يقيني استمرار السلطة في التحكم المسبق في الخريطة الإنتخابية، وهو ما لم نلمس خلافه حتى الآن، فكيف ستقوم السلطة بتدبير الإنتخابات القادمة ؟ ما هي السيناريوهات المحتملة وما تبعاتها ؟

في الواجهة نجد مجموعة الثمانية التي تمّ تقديمها باحتفالية ظاهرة، يزكيها استطلاع للرأي صدر عن معهد أمريكي لا تخفى مآربه في توجيه الرأي العام المغربي، وهو استطلاع يتنبأ بالفوز لحزب التجمع الوطني للأحرار، لماذا الأحرار بالذات، مع العلم أن الواقع يقول إن هناك أحزابا أخرى تتصدر المشهد وتتقدم حزب مزوار؟ لسبب بسيط هو أن السلطة ليس لها خيار آخر، فمن جهة سيكون أمرا بالغ الخطورة بالنسبة للنظام بشكل عام أن يعود حزب الإستقلال إلى تصدر المشهد السياسي، لأن نتيجة ذلك من الناحية السياسية هي استمرار حكم العائلات الأوليكارشية التي طالبها متظاهرو 20 فبراير بالرحيل، ومن شأن عودة الإستقلال أن يوتر الأجواء بشكل كبير ويضاعف عدد المتظاهرين الذين ملوا وجوه آل الفاسي وأصبحوا يرون في استئثارهم بالمناصب أحد مظاهر الأزمة السياسية بالبلاد، وهو ما قد يجعل مطالب الشارع أكثر راديكالية.
وليس واردا البتة الحديث عن الإتحاد الإشتراكي الذي لحقت به أضرار كبيرة في تجربة حكومة التناوب التوافقي، حيث أفقدته لوبيات المخزن المتحكمة شرعيته النضالية التي كانت تجعل منه أكبر حزب سياسي بالمغرب، مما أدى إلى أن يتخلى عنه أزيد من ثمانمائة ألف مناضل وعاطف عاقبوه بالتخلي عنه سنة 2007.
من ناحية أخرى نجد حزب الأصالة والمعاصرة حاضرا ضمن مجموعة الثمانية، لكن الضوضاء التي رافقت تأسيس هذا الحزب والبوليميك الذي أحاط بنشأته جعلاه يصنف بالنسبة لغالبية المغاربة باعتباره حزب السلطة أو حزب الملك، في وقت عرف فيه شمال إفريقيا والشرق الأوسط هزات قوية أفضت إلى سقوط أنظمة حزب الرئيس في تونس ومصر، مع اقتراب سقوط نظام حزب البعث السوري، وهو ما يجعل من الصعب المراهنة على حزب الأصالة والمعاصرة في تشكيل الحكومة القادمة، ما دام الرهان الأقوى بالنسبة للملكية في السياق الحالي هو ضمان الإستقرار واستعادة الثقة وتهدئة النفوس الثائرة.
ومن جانب آخر نجد حزب العدالة والتنمية الإسلامي مدفوعا بقوة الأشياء إلى الواجهة، يساعده على ذلك سياق عرف بروز دور الإسلاميين في عدد من البلدان بعد سقوط الرؤساء في تونس ومصر وليبيا، وكذا في الحراك القوي الذي تعرفه سوريا واليمن، وإذا كان هذا الحزب يقدم نفسه كتيار سياسي معتدل يطمح إلى أن يحظى بثقة الملك، وكـ"صمام أمان" ضد التطرف والغلو الجهادي، إلا أنه يعاني من ضعف على مستويين، الأول أن مواقفه اليمينية المفرطة في الإنبطاح جعلته يفقد ثقة الشارع المغربي، حيث أدت تصريحات الأمين العام للحزب ضد حركة 20 فبراير ومن أجل تكريس الحكم المطلق لإمارة المؤمنين، وكذا مواقف قيادة الحزب التي ظهر فيها جليا سعي محموم إلى الرغبة في تولي مسؤولية في الحكومة القادمة بأي ثمن وفق شعار "أمولى نوبة !"، أدّت إلى النظر إلى هذا الحزب على أنه أحد أحزاب السلطة المخزنية، وهو ما لا يؤهله لأن يكون بديلا لما هو قائم، في الوقت الذي لا يمكن فيه تهدئة الشارع المغربي إلا بوجود تغيير حقيقي، والمستوى الثاني من الضعف يتجلى في السلوك السياسي للحزب الذي أظهر عداء كبيرا للمكاسب الديمقراطية للمرحلة السابقة، حيث تصدى للحريات وحقوق النساء ومكاسب الحركة الأمازيغية بشكل جعله يبدو كما لو أنه أسوأ مما هو قائم.
غير أنّ عيوب العدالة والتنمية رغم ذلك قد لا تمنعه من تصدر المشهد السياسي في حالة ما إذا كان حجم مقاطعة الإنتخابات كبيرا، فكما استفاد حزب الإستقلال سنة 2007 من حجم المقاطعة والعزوف السياسي ليتولى الحكومة بنسبة ضئيلة من الأصوات لا تمنح الحكومة شرعية فعلية، يمكن أن يقع نفس الشيء بالنسبة للحزب الإسلامي، كما أنه من الممكن أن تجد السلطة والولايات المتحدة الأمريكية في هذا الحزب ورقة غير محترقة للإيهام بوجود "تغيير" ما من أجل تهدئة الخواطر، خاصة وأنه لم يسبق له أن تولى مناصب المسؤولية الحكومية، غير أن ذلك سيضع السلطة أمام ثلاثة مشاكل عويصة: الأول تهديد العلاقة الإيجابية المتقدمة للمغرب مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنتظم الحقوقي الدولي، وتهديد الإستثمارات الخارجية، والثاني أن تولي حزب بنكيران السلطة من شأنه أن يخلق تكتلا كبيرا لقوى اليسار والعلمانيين والحركة النسائية والحركة الأمازيغية والمجتمع المدني المغربي عموما، مما قد يخلق حالة توتر دائمة مع الحكومة في حالة ما إذا أراد الحزب الشروع في أسلمة المؤسسات والحياة العامة والقوانين، والمشكل الثالث هو في حالة ما إذا استطاعت السلطة ترويض حزب العدالة والتنمية وجعله يضطر إلى التحالف مع أحزاب يمينية أو يسارية لتشكيل حكومة يصبح فيها الحزب أقلية غير مؤثرة، فإن ذلك سيفضي حتما كما حدث بالنسبة للإتحاد الإشتراكي إلى تخلي المناضلين الإسلاميين المعتدلين عن حزبهم، بعد أن يفشل في أسلمة الدولة والمجتمع ويصبح في وعي هؤلاء المناضلين مثل غيره من الأحزاب، وهو ما من شأنه أن يؤدي حتما إلى تزايد رصيد جماعة العدل والإحسان والجماعات السلفية المتشددة بفضل المنخرطين الجدد الوافذين من الحزب المحطم في محرقة المخزن.
نفهم من هذا كله الأسباب التي جعلت السلطة توجه الرأي العام المغربي والدولي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره نوعا من "الحلّ الوسط" لتجنب الكوارث السياسية المشار إليها، لكن فوز الأحرار رغم ذلك لا يخرج السلطة من ورطتها، إذ يطرح بدوره مشكلين عويصين، الأول أن حزب التجمع الوطني للأحرار معروف لدى المغاربة بكونه حزبا إداريا يمينيا وأداة طيعة في يد السلطة، حيث لم يستطع على مدى العقود المنصرمة التي تلت فبركته في مصنع وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري، أن يؤسس له إيديولوجيا واضحة أو فكرا سياسيا متميزا، وظلت لازمة "طبقا للتوجيهات الملكية السامية" تختزل كل تجربته السياسية الفقيرة، مما يجعله غير مؤهل لمساعدة السلطة على اجتياز صعوبات المرحلة القادمة، التي تحتاج إلى مصداقية حقيقية مفتقدة حاليا لدى كل الأحزاب المتبارية على كراسي الحكومة والبرلمان.
المشكل الثاني أن حزب الأحرار لا يمكنه بإمكانياته الطبيعية وقدراته تصدر المشهد السياسي بدون دعم من السلطة، التي سيكون عليها أن تتدخل بشكل مباشر لجعل نتائج الإنتخابات لصالحه حتى يتمكن من تشكيل حكومة، وهو ما سيعيدنا إلى الوراء من جديد في الوقت الذي يطالب فيه الجميع بالقطع مع مثل هذه السلوكات.
تتواجد السلطة إذن في موقع لا تحسد عليه، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة النسق السياسي الذي يدعوه المغاربة "المخزن"، والذي هو عبارة عن لوبيات إدارية واقتصادية وسياسية ذات امتدادات أخطبوطية في المجتمع، تعتبر أي تغيير لفائدة البلد تهديدا خطيرا لمصالحها، إنها في الواقع اللحظة الحاسمة التي قد يدرك فيها النظام بوضوح فداحة الأخطاء التي ارتكبها في السنوات العشر المنصرمة، والتي كان من الممكن فيها بدء إصلاحات حقيقية بإمكانيات ووسائل حقيقية، تضمن شرعية ديمقراطية للسلطة، وتنهي مرحلة التردد والإرتباك التي طالت حتى كادت تصبح هي القاعدة.
ماذا بعد 25 نونبر ؟
لن تفضي الإنتخابات القادمة إلا إلى أحد السيناريوهات المذكورة، وهي كلها في الواقع دون انتظارات المغاربة، لأنها ستفضي حتما إلى استمرار تكريس الواقع الراهن بجميع عيوبه، مما يرجح لدينا تزايد أصوات الإحتجاج، التي قد تفضي إما إلى القمع الوحشي غير مأمون العواقب، أو إلى إرغام المسؤولين على التفكير الجدّي في حلول حقيقية.
الكلمات الدلاية : رأي , abc

0 reacties

أضف تعليقك

يتم التشغيل بواسطة Blogger.